|
|
|
| تداعيات الاتفاق التركي الأرميني على أزمة ناجورنو كاراباخ |
| كتب أ. رضا عبد الودود* | ||||||||
| 24/01/2010 | ||||||||
![]() ... الذي اعتبر انتصارا مميزا للأتراك .. موافقة أرمينيا على تشكيل: "لجنة فرعية للنظر في البعد التاريخي وإجراء حوار بهدف إعادة إحياء الثقة بين الشعبين، بما فيها دراسة علمية غير متحيزة للوثائق التاريخية من أجل توضيح الخلافات العالقة بمشاركة اختصاصيين ... إلا أن كل الطروحات الأرمنية في العلاقة مع تركيا تبدأ من مسألة إلزام تركيا على الاعتراف بأن المجازر التي حصلت في العام 1915 ضد الأرمن هي "إبادة" مدبرة عن سابق تصور وتصميم.
-------------------------
في أعقاب توقيع تركيا وأرمينيا بروتوكول لإعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود بينهما في 10 أكتوبر 2009 بزيورخ بسويسرا لمحاولة إنهاء 90 عاما من الصراع التاريخي، أعلنت أذربيجان خفض الأعلام التركية بشوارع أذربيحان وهددت بمنع تدفق الغاز الطبيعي المخفض السعر إلى أنقرة احتجاجا على الاتفاق الذي لم يتعرض لأزمة اقليم ناجورنوكارباخ..اشتراط تركيا موافقة البرلمان وتحقيق تقدم ملموس على صعيد كاراباخ قبل تطبيع العلاقات مع أرمينيا نال استحسان الاذار
فيما حاولت الإدارة التركية تهدئة الجانب الأذربيجاني بسلسلة من الزيارات الرسمية والتقاء وزير الخارجية التركي بالرئيس الأذربيجاني، ثم توجت تلك المساعي بإعلان رئيس الوزراء في 8/1/2010 عدم دخول الاتفاق الثنائي مع أرمينيا الذي رعته فرنسا وروسيا وأمريكا حيز التنفيذ إلا بعد موافقة البرلمان التركي وإحداث تقدم ملموس في مفاوضات التسوية السياسية لأزمة ناجورنو كاراباخ بين أرمينيا واذربيجان وإنهاء الصراع الدائر منذ 1994 بعد احتلال أرمينيا للإقليم ودعم الانفصاليين الأرمن وإعلان دولتهم المستقلة التي لم يعترف بها أحد حتى الآن...
الأمر الذي رفضته أرمينيا ووصفته المعارضة الارمينية والأرمن الأتراك بأن أردوغان يحاول التنصل من اتفاقه ما يعود بالعلاقات السياسية إلى مربع التجميد والتأزيم من جديد..وكانت تركيا قد قطعت علاقاتها مع أرمينيا وأغلقت الحدود المشتركة منذ 1994 احتجاجا على احتلال القوات الآرمينية لاقليم تاجورنوكارباخ الذي يقطنه مسلمون أذربيجان وأقلية أرمينية مسيطرة...
ويأتي الاعلان التركي (اشتراط تنفيذ الاتفاق بموافقة البرلمان التركي) كاختبار صعب لسياسات العدالة والتنمية، بعدما حقق الاتفاق مكاسب للأتراك ؛ باعتراف أرمينيا بالحدود الحالية القائمة بين البلدين منذ العام 1921 ، وتخليا للأرمن عن مطالبهم المزمنة في الأراضي التركية والمحاذية لأرمينيا، لا سيما مناطق قارص وأردهان إضافة إلى تسمية الأرمن لمناطق شرق تركيا بأرمينيا الغربية. وقد ورد هذا رسميا في وثيقة الاستقلال التي أعلنتها أرمينيا بعد انفصالها عن الاتحاد السوفياتي في العام 1991.
أما الموضوع الثاني الذي اعتبر انتصارا مميزا للأتراك فهو موافقة أرمينيا على تشكيل: "لجنة فرعية للنظر في البعد التاريخي وإجراء حوار بهدف إعادة إحياء الثقة بين الشعبين، بما فيها دراسة علمية غير متحيزة للوثائق التاريخية والأرشيف من أجل توضيح الخلافات العالقة وصياغة التوصيات بمشاركة اختصاصيين أرمن واتراك وسويسريين ودوليين آخرين، وذلك ما كانت تطالب به أنقره منذ عشرات السنين إلا أن كل الطروحات الأرمنية في العلاقة مع تركيا تبدأ من مسألة إلزام تركيا على الاعتراف بأن المجازر التي حصلت في العام 1915 ضد الأرمن على الأتراك هي "إبادة" مدبرة عن سابق تصور وتصميم وبموجب أوامر رسمية مكتوبة من جانب حكومة حزب الاتحاد والترقي التي كانت حاكمة حينها، وحملت توقيع محمد طلعت باشا وزير الداخلية، وأفضت حسب الأرمن إلى مقتل حوالي المليون ونصف المليون أرمني من رعايا الدولة العثمانية في شرقي الأناضول، وإلى تهجير عشرات الآلاف في اتجاه سوريا ولبنان والغرب، من أصل أكثر من مليونين كانوا يعيشون في تركيا بحسب وثائق البطريركية الأرمنية في إسطنبول. وبذلك قد تزيل تركيا، عبر هذا الاتفاق، عقبة أمام انضمامها الى الاتحاد الأوروبي، وتسقط ولو مؤقتا جهود أي برلمان أوروبي جديد للاعتراف ب"الإبادة" ما دامت هذه القضية تخضع "لتمحيص" لجنة المؤرخين قبل البت النهائي بها.
في المقابل، حققت أرمينيا بعض المكاسب من اتفاقية زيوريخ، أولها أن الاتفاقية لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى وضع كاراباخ الذي احتله الأرمن مع أراض آذرية أخرى. ولا شك أن فتح الحدود مع تركيا سيتيح خروج أرمينيا من ضائقتها الاقتصادية الشديدة، عبر فتح بوابة اقتصادية واجتماعية في غاية الأهمية لأرمينيا، في ظل اقتصار انفتاحها على العالم الخارجي على البوابة الروسية الشمالية، ووسط حصار جغرافي مثلث من تركيا وآذربيجان وجورجيا..
النفط سلاح أذربيجان لاستعادة الاقليم و6 مناطق محتلة من أرمينيا
أبعاد إقليمية ودولية:
وفي هذه الأجواء المشحونة تحاول تركيا البحث عن مخرج من تلك الأزمة من خلال محاولة الذهاب للأمام أو الخلف لعدم تأزيم علاقاتها مع أذربيجان التي ترتبط معها بروابط تاريخية ودينية وحضارية ، رغم ما يمثله الاتفاق من أهمية اقليمية حيث دفعت روسيا نحوه لما يحققه من استقرار في منطقة القوقاز المجال الطبيعي لها، وهي على امتداد الفترة السابقة الحامي الأساسي لأرمينيا في مواجهة المثلث التركي-الجورجي-الآذري. كما أن الاتفاق يخفف من ضغوط اللوبي اليهودي على ادارة أوباما حيث كان قد تعهد في حملته الانتخابية بالضغط على تركيا وتحميلها المسئولية عن مذابح الرمن التي وقعت في 1915، وكانت زيارة أوباما لتركيا في مطلع أبريل 2009 محطة فاصلة في اتجاه التوصل لاتفاق تركيا وأرمينيا، حيث تخلى أوباما عن وعوده للأرمن مقابل وعد تركي بإقامة علاقات ديبلوماسية وفتح الحدود مع أرمينيا. وللولايات المتحدة مصلحة أكيدة في مثل هذا الاتفاق، إذ يخرج أرمينيا ولو جزئيا من التبعية الكاملة لروسيا، كما أنه يتيح في المستقبل توفير ممرات للنفط والغاز الطبيعي المستخرج من حوض قزوين، تكون بديلة عن تلك التي تمر بجورجيا إن اقتضى الأمر بعد الضربة التي تلقتها جورجيا من روسيا صيف 2008، ووضعت أنبوب نفط باكو – جيحان تحت تهديد محتمل. كما أن استمالة أرمينيا إلى تركيا بنظر الأميركيين، تضعف علاقات أرمينيا بنافذتها الجنوبية الوحيدة والصغيرة مع إيران، وهو ما يتوافق مع سعي واشنطن لتشديد الضغوط على إيران في ملفها النووي.
إلا أن الأهم بنظر المراقبين للشأن القوقازي هو تحقيق انجاز على صعيد اقليم ناجورنوكاراباخ الذي يمثل الشفرة الفاعلة لاطلاق جهود الاستقرار والتنمية في القوقاز....
وفي اطلالة سريعة تذهب (الفرقان) بالذاكرة إلى الوراء قليلا في سياحة حضارية حول الاقليم المسلم الذي يقف شاهدا على السياسات والمواقف الدولية حينما تغلبها المصالح على حساب الثوابت...
جذور أزمة ناجورنوكاراباخ:
اقليم ناجورنو كاراباخ هو أحد أقاليم أذربيجان، وعاصمته ستبانا كيرت (نسبة إلى الزعيم البلشفي الأرمني ستيبان شاهوميان) ويقع الإقليم غرب العاصمة الأذرية باكو بحوالي 270 كلم. وتبلغ مساحته حوالي 4800 كيلومتر مربع، وهو منطقة يغلب عليها الطابع الجبلي، وتعتبر قمة جبل "جياميش" التي يبلغ ارتفاعها 3724 مترا هي أعلى قمة جبلية هناك. وفي الإقليم مجموعة من الأنهار تستخدم مياهها في الري وفي توليد الطاقة الكهرومائية.
سياسات التهجير والإقصاء الأرميني ضد المسلمين الأذار قلبت المعادلة السكانية وحولت المسلمين إلى أقلية بكاراباخ
يقدر عدد سكان الإقليم بـ145 ألف نسمة، 95% منهم أرمن (حاليا بعد سياسات التهجير اللآذرييين واحتلال الاقليم من قبل الآرمن) والـ5% الباقية من أعراق أخرى. ونظرا لموقع ناغورني قره باغ وكونها نقطة التقاء بين الإمبراطورية العثمانية والفارسية والروسية فقد شهد هذا الإقليم عددا كبيرا من الحروب وتنقلات وعمليات هجرة ونزوح بين السكان، لذا فليس مستغربا في التاريخ الديمغرافي للاقليم أن تكون إحدى الجماعات العرقية أو الشعوب في قرن من القرون أغلبية وفي قرن آخر أقلية.
وقبل اشتداد العداوات بين العرقين الأذري والأرمني كان الأرمن يسكنون العاصمة ستبانا كيرت ويمثلون أغلبية السكان، في حين كانت مدينة شوشا -مركز كاراباخ فيما قبل العهد السوفياتي- تضم غالبية أذرية. لكن بعد حرب عام 1992 بين أذربيجان وأرمينيا وبعد أن سيطر الجيش الأرمني على الاقليم أجبر جل سكان الإقليم من الأذر على الرحيل.
وكان أغلب الأذر في الاقليم قبل التهجير، من المسلمين الشيعة والسنة الأكراد. أما الأرمن فهم مسيحيون ينقسمون مذهبيا بين الكاثوليكية والأرثوذكسية. وتشبه اللغة الأذرية الأناضولية التركية بشكل كبير. أما اللغة الأرمينية فهي لغة هندو أوروبية لها أبجدية فريدة. وتختلف لغة الأرمن في قره باغ عن تلك التي يتحدث بها الأرمن في جمهورية أرمينيا، ومع ذلك فكل منهما يفهم الآخر.
ويعتبر الاقليم حاليا جمهورية غير معترف بها دوليا، تأخذ بالنظام الرئاسي منذ نوفمبر عام 1994. والرئيس هناك هو رأس الدولة ويتمتع بسلطات واسعة، فهو الذي يختار رئيس الوزراء الذي يشكل الحكومة، ومدة الرئاسة خمسة أعوام تجدد لفترة واحدة فقط. والرئيس في قره باغ هو الذي يحدد السياسات الخارجية والدفاع.
وفي الاقليم حكومة تتركز في يدها السلطة التنفيذية، وتتكون من رئيس الوزراء ويعاونه وزراء للصحة والدفاع والتعليم وغير ذلك، ورئيس الوزراء مسؤول أمام كل من رئيس الجمهورية والمجلس الوطني (البرلمان) الذي يتكون من 33 عضوا بعد أن كان 81 عضوا قبل عام 1991، وقد جرت أول انتخابات لهذا المجلس في أبريل عام 2000. ومدة عضوية النائب خمسة أعوام. ويختار الأعضاء رئيس البرلمان باقتراع سري.
جذور الصراع:
روح العداء بين الأرمن والآذر في منطقة القوقاز قديمة ولها أسبابها العرقية والدينية والتاريخية، لكن بوادر تفجر الصراع في إقليم ناجورنوكاراباخ تحديدا تعود إلى العشرينيات من القرن الماضي. ولفهم أبعاد الصراع يجدر القول بداية أن هذا الإقليم من الناحية الجغرافية يقع في قلب أذربيجان لكن من الناحية الديمغرافية تسكنه أغلبية أرمينية بنسبة 95%..
وكانت سياسة رئيس الاتحاد السوفيتي السابق جوزيف ستالين تقوم على بث الفرقة بين الجماعات العرقية داخل جمهوريات الاتحاد المترامية الأطراف، لتظل تلك الأعراق بحاجة دائمة إلى حماية الحكومة المركزية في موسكو، ولأن أذربيجان وأرمينيا كانتا جمهوريتين تابعتين للاتحاد السوفيتي فإن ستالين أقدم عام 1923 على ضم إقليم ناجورنوكاراباخ إلى جمهورية أرمينيا، رغم أنه يقع في قلب أذربيجان. وفي المقابل -ولكي تتم سياسة تأجيج الصراع العرقي- فقد ضم ستالين إداريا منطقة ناختشيفان التي تقع جغرافيا في قلب أرمينيا وتسكنها أغلبية أذرية إلى أذربيجان، وبهذا بدأ الصراع في ناجورنوكاراباخ واستمر. لكن الكراهية الدفينة في قلوب الأذر والأرمن ظلت كامنة بفعل الخوف من رد الفعل السوفيتي إذا اندلعت قلاقل، فبقيت الأمور على السطح هادئة لكن نيران الغضب كانت تمور في الأعماق.
المسعى الأرميني للضم النهائي:
وفي عام 1988 وتحديدا في 20 فبراير كان إقليم ناغورنو كاراباخ بأكمله يقف عند مفترق طرق. في ذاك اليوم طلب المجلس السوفيتي الكاراباخي من موسكو الموافقة على انضمام الإقليم نهائيا إلى أرمينيا. هنا سارع النواب الأذر الممثلون في المجلس إلى الاعتراض، فتوترت الأجواء وتحول الحقد التاريخي المكتوم إلى أعمال عنف سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية في الإقليم سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى من الطرفين.
وفي العام التالي (1989) ذهب الأرمن بصراع ناجورنوكاراباخ خطوة إلى الأمام وذلك حينما اتخذ المجلس السوفيتي الأرميني قرارا بإعلان اتحاد ناجورنوكاراباخ مع جمهورية أرمينيا.
انفصال كاراباخ وإعلان الاستقلال:
وفي الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1991 تفكك الاتحاد السوفيتي وانفرط عقد جمهورياته، وفي أوائل عام 1992 أعلنت كل من أرمينيا وأذربيجان استقلالهما، وعلى الدرب نفسه فاجأ القادة السياسيون في إقليم ناجورنوكاراباخ العالم بإعلان استقلالهم ورغبتهم في قيام جمهورية مستقلة غير تابعة لا إلى أذربيجان ولا إلى أرمينيا. فاعترضت أذربيجان على إعلان استقلال الاقليم واعتبرته انفصالا وتمردا، بل ذهبت أبعد من ذلك واعتبرت ما قام به الانفصاليون هناك "مسرحية" تمت بالاتفاق المسبق مع أرمينيا.
وهنا تفجرت الحرب الأذرية الأرمينية، حيث أعلنت أرمينيا دعمها للقادة السياسيين الأرمن ومدهم بالمال والسلاح، وهو ما نظرت إليه أذربيجان على أنه بمثابة إعلان الحرب، فاندلع القتال بينهم بالفعل واستمرت الحرب طوال الفترة من 1992 حتى التوصل لوقف إطلاق النار عام 1994، وكانت نتائج تلك الحرب -خاصة على الجانب الأذري- فوق الاحتمال.
المواقف الإقليمية والدولية أججت الصراع:
تعقيدات المصالح الإقليمية والدولية وتشابكها واتساع الهوة بين مواقف هذه الأطراف تباعد بين ناجورنوكاراباخ وفرص الحل السلمي.
فتركيا تقف مع أذربيجان في تشديد الحصار على أرمينيا، ويساعد على توثيق العلاقات الأذرية التركية ما يربطهما من وشائج الدين واللغة. ويزيد من حساسية الدور التركي العداء بين الأرمن والأتراك بسبب اتهام الأرمن تركيا بارتكاب المذابح بحقهم في الحرب العالمية الأولى حين ثاروا على الدولة العثمانية عام 1915.
أما روسيا فتقف في صف أرمينيا رغم أنها أحد الوسطاء الدوليين لحل الأزمة، لدرجة تساءل معها البعض عن مدى حقيقة الدور "المحايد" لروسيا في الصراع ، لا سيما بعد ما كشف عن إمداد روسيا لأرمينيا بالسلاح إبان حربها ضد أذربيجان 1992-1994. ويقوم التحالف الروسي الأرميني على تطوير روسيا لأعمدة الاقتصاد الأرميني، وعلى رأسها إنشاء محطات الطاقة، وتعاون عسكري أقامت روسيا بموجبه قاعدة عسكرية في العاصمة الأرمينية يريفان.
أما إيران فقد دعمت أرمينيا في أزمة ناجورنوكاراباخ لأسباب اقتصادية، أولها أن أرمينيا تحتاج إلى النفط الإيراني، بينما أذربيجان تبيع النفط كإيران. وثانيها أن أذربيجان، في بداية استقلالها، تحالفت مع تركيا لترويج مشروع الجامعة الطورانية، الذي كان يعني نجاحه إزاحة إيران كلية عن المنطقة. هذا في الوقت الذي تمثل فيه إيران شريان الحياة لأرمينيا في ظل محاصرة الأخيرة من الشرق بأذربيجان ومن الغرب بتركيا. وفي الموقف افيراني مفارقة كبيرة بين الإعلان الرسمي بدعمها القضايا الإسلامية في العالم بأسره، ووقوفها إلى جانب أرمينيا المسيحية على حساب أذربيجان المسلمة الشيعية. ومن جانب تعلن إيران عن دعمها للحق الإسلامي في النزاع الكاراباخي ، بينما من جانب آخر توسع علاقاتها الوطيدة مع أرمينيا، وتعطي للأرمن في إيران مزايا أكبر مقارنة بالأذريين.
ويتداخل في هذا الجانب دور الأقلية الأذرية في إيران والتي يفوق عددها ثمانية ملايين نسمة، وبصفة خاصة في شمال إيران حيث يزيد عددهم عن عدد سكان أذربيجان ذاتها (6.5 ملايين نسمة) ويطالبون بحقوق يصل بعضها إلى الحكم الذاتي، أو الانضمام للوطن الأم، وتتكرر من فترة لأخرى حوادث صدامهم مع السلطات الحكومية.
فيما موقف الولايات المتحدة من الصراع متناقض بين رغبتها في المحافظة على مصالحها الحيوية هناك، وبين ضغط اللوبي الأرمني كما يقول الكاتب الأذري طبيب حسينوف.
ففي الوقت الذي تنظر فيه واشنطن إلى أذربيجان على أنها شريك سياسي واقتصادي إستراتيجي في المنطقة، وبوابة بين أوروبا وموارد وأسواق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وأحد الموردين الرئيسين للنفط والمنتجات النفطية في أوروبا في القرن الحادي والعشرين، نرى أن العلاقات بين باكو وواشنطن تتعرض في كثير من الأحيان للتوتر بسبب نفوذ اللوبي الأرميني القوي في الكونغرس.
وفي حين أن البيت الأبيض يدين احتلال الأراضي الأذرية ونزوح آلاف البشر وانتهاكات حقوق الإنسان، يرفض الكونغرس تقديم المساعدة الإنسانية لملايين اللاجئين الأذربيجيين بموجب تعديله لقانون دعم الحرية المعروف بالبند 907 لعام 1992. ويخصص الكونغرس معونة خارجية غير متوازنة لأرمينيا تجاوزت قيمتها كل موازنة أرمينيا، بما في ذلك الدفاع وجعلت منها ثاني أكبر دولة منتفعة بالمعونة الخارجية التي تقدمها الولايات المتحدة بعد إسرائيل وفق احصاءات 1996، وفي الوقت نفسه تعتبر أذربيجان الدولة الوحيدة فيما بعد الحقبة السوفيتية التي لم تحصل على معونة من الولايات المتحدة.
أما الدور الأوروبي فيهتم بحل مشكلة الاقليم أو على الأقل استمرار تجمدها، لضمان الأمن والاستقرار على هوامش أوروبا من ناحية، وضمان وصول النفط من قزوين إلى السوق الدولية، وبصفة خاصة بعد مد خط الأنابيب باكو-تبليسي-جيهان من ناحية ثانية.
أكثر من 35 ألف قتيل ومليون مشرد حصيلة الصراع الارميني على الاقليم الاذربيجاني منذ 1992
نتائج الحرب وحصادها المر:
أسفرت الحرب التي اندلعت بين أرمينيا وأذريجان بسبب ناغورني قره باغ في الفترة من 1992-1994 عن مقتل ما بين 30 إلى 35 ألفا من الأذر والأرمن وتشريد حوالي مليون إنسان. أعداد القتلى الأذر غير محددة بدقة من بين إجمالي من سقطوا من كلا الجانبين. لكن الثابت أن أغلب الخسائر البشرية تركزت في الجانب الأذري وذلك لأن أذربيجان خرجت من هذه الحرب منهزمة، فقد خسرت 6 مقاطعات إضافة إلى إقليم ناغورني قره باغ وهو ما يمثل في مجموعه 20% من مساحة أذربيجان الكلية ولا تزال هذه المقاطعات حتى العام 2008 محتلة.
كذلك أُجبر ما بين 600 إلى 700 ألف أذري على ترك مناطق عيشهم نتيجة للحرب وما صاحبها من عمليات تطهير عرقي. من بين هؤلاء 60 ألفا من إقليم ناغورني قره باغ وحده وأربعة آلاف أذربيجاني من أصول كردية من منطقتي لاتشين وكيلباجار وعدة آلاف من جماعات عرقية مختلفة أغلبهم من الروس والبقية من المقاطعات المحيطة بقره باغ.
وتركز تقارير حقوق الإنسان الضوء على معاناة شرائح واسعة من هؤلاء اللاجئين والنازحين، فتذكر أن حوالي 135 ألفا منهم لا يزالون يقطنون المخيمات المؤقتة والمباني غير المكتملة وعربات القطارات القديمة المتهالكة.
أما أعداد القتلى الأرمن غير معروفة على وجه الدقة لكن أعداد النازحين جراء حرب 1992- 1994 تقدر بنحو 300 ألف نازح، جلهم جاء من مناطق كانوا يسكنونها داخل أذربيجان.
عوائق التسوية السياسية:
الارتياب وانعدام الثقة وإرث العداء التاريخي بين الأرمن والأذربيجانيين، فضلا عن الدماء التي سالت بين العرقيتين على مدى السنوات الطويلة الماضية. فقدان الشعور بالأمن لدى الأذربيجانيين بسبب احتلال الأرمن سبعة من أقاليمهم. ومطالبة أذربيجان قبل الدخول في أي مفاوضات باستعادة تلك الأقاليم، وهو شرط ترفضه كل من أرمينيا وقادة كاراباخ الارمن مما أعاق التوصل إلى تسوية حتى الآن.
وكذلك رفض الأرمن التنازل عما بين أيديهم من الأرض التي احتلوها في حرب 1992-1994، والتي يعتبرونها "استعادة" لأرض تاريخية ذات أغلبية أرمينية، فضلا عن شعورهم بأن أمنهم القومي مهدد إذا فقدوا السيطرة على تلك المناطق، وذلك لإحاطتهم بمن يتعبرونهم أعداء ألداء هما الأذربيجانيون والأتراك.
كما أن عملية التفاوض نفسها هي أحد العوائق، لأن أحد أطراف الصراع المتأثر كثيرا بالنتيجة وهو إقليم كاراباخ لم يسمح له بالجلوس على مائدة التفاوض بسبب اعتراضات الأذربيجانيين الذين يعتبرون أن وجود ممثلين عن قره باغ -تابعين فعليا لأرمينيا- يعني اعتراف أذربيجان بسلطة أرمينية على أراضيها.
ورغم مرور أكثر من 15 عاما على اتفاق اطلاق النار بين البلدين في 1994 لم تفلح جهود التسوية في انهاء الصراع حول الاقليم ذو الاهمية الاستراتيجية للاذربيجان والاهمية التاريخية للسياسات الارمينية التي تعيش الحاضر بقلب الماضي ، ومما زاد من تمسلك الآرمن بالاقليم حالة الاقتصاد المأزوم في ارمينيا، وضعف أداء الزعماء السياسيين وفقدانهم الثقة لدى شرائح وقطاعات واسعة من الشعب الأرمني أدى إلى تصلب موقف النظام السياسي الرسمي تجاه نزاع كاراباخ، إذ أضحى هذا النزاع ورقة رابحة بيده يستغلها لإهاجة المشاعر القومية ويستغلها لزيادة شعبيته المتآكلة.
أما النظام السياسي في أذربيجان فإن نحو 20% من أراضيه محتلة وهو يواجه شعورا لدى قطاعات واسعة من الشعب الأذري بالخوف من احتمال إمكانية تفكك دولتهم وأن هذا التفكك يبدأ بضياع كاراباخ والأقاليم الستة الأخرى، ومن هنا يواجه النظام الأذربيجاني صعوبة في القبول بأي سيناريو من سيناريوهات التسوية المعروضة التي قد لا ترقى لتلبية رغبات شعبه وتهدئة مخاوفه.
سيناريوهات الحل:
حلول كثيرة وسيناريوهات متعددة لحل مشكلة ناغورني قره باغ، كان أهمها وأبرزها ما يعرف بخطة منسك وهي الخطة التي عرضتها مجموعة منسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والخطة الأميركية لحل الصراع.
سيناريو منسك:في خطة منسك يتعين على الأطراف الثلاثة أرمينيا وأذربيجان وناغورني قره باغ الاتفاق على ضرورة الاعتراف بوحدة أراضي أذربيجان مقرونا بنظام حكم ذاتي لكاراباخ من قبل الأرمن المحليين.
أما سيناريو الولايات المتحدة لحل الصراع فيتأسس على أن تعترف جمهورية أذربيجان باستقلال إقليم كاراباخ وتتعامل معه على أنه دولة مستقلة ذات سيادة، وتؤول السيادة المطلقة على ممر لا تشين إلى أرمينيا وينتهي النزاع حوله ويتوقف القول بأنه أرض محتلة من قبل الجيش الأرميني، وفي مقابل ضياع هذه المساحة من الأراضي الأذرية تعوض أرمينيا أذربيجان بمنحها السيادة على منطقة "مِغْرِي" وهي المنطقة المهمة إستراتيجيا لأذربيجان لأنها تفصل بين أراضيها ومنطقة ناختشيفان الأذرية الواقعة في قلب الأراضي الأرمينية مع منح أرمينيا حق المرور عبر هذه المنطقة إلى إيران.
ولم يكتب النجاح والقبول لهذه الخطة حيث شعرت أرمينيا بأن وصل ناختشيفان بأذربيجان سيحول بينها وبين إيران وبالتالي ستخسر أرمينيا الممر الوحيد والمنفذ الحيوي لها للفكاك من سيطرة أذربيجان- تركيا فضلا عن ذلك فإن منح أذربيجان منطقة مغري ومنح الأرمن حق المرور عبرها إلى إيران غير كاف بالنسبة لأرمينيا، لأن منطقة مغري ستخضع في النهاية إلى سيطرة وتحكم الأذر. كذلك لم يكتب النجاح لهذه الخطة لأنها من وجهة نظر أرمينية منحت أذربيجان أراضي كانت بحوزة أرمينيا ولم تحصل في المقابل على ما يغريها بالتنازل.
ومع تلك التجاذبات يبقى المثلث التركي الأذربيجاني الأرميني مأزوما في ضوء عدم التراجع الأرميني عن احتلال الاقليم الأذربيجاني ويبقى الدور التركي هو القادر على الحسم ودعم الحقوق التاريخية للمسلمين الآذار في أراضيهم ، إلا أن تفاعلات السياسة وتحديات الداخل التركي قد تقف عقبة أمام توسيع الدور التركي في حلحلة أزمة كاراباخ..
* صحفي وكاتب مصري.
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
|
||||||||
| آخر تحديث ( 24/01/2010 ) | ||||||||
| < السابق | التالى > |
|---|
| من نحن |
| الإصدارات |
| الموقع الدائم لمؤتمر نصرة الشعب العراقي |
| طلب عضوية |
| اجتماع الجمعية العمومية |
| الملف الشهري |
| الحمد لله الذي نصر عبده قطز و نصر به الاسلام، الحمد لله الذي اعز الاسلام و المسلمين بهذا النصر العظي... |
| المزيد ... |
| طيب الله هذه الانفاس |
| المزيد ... |