|
|
|
الراصد
صور العدوان
حقوق إنسان
صفقة تبادل الأسرى .. صراع الإرادات .. ومعركة "عض الأصابع" !!
| صفقة تبادل الأسرى .. صراع الإرادات .. ومعركة "عض الأصابع" !! |
| كتب د. السيد عوض عثمان* | ||||||||
| 25/01/2010 | ||||||||
![]() تتزايد لدى الكيان الصهيونى المحاولات المحمومة والمساعى المسعورة فى سبيل التقاط أية معلومة أو خيط أيا كان يمكن أن يقود باتجاه معرفة مكان اختفاء شاليط، وهو ما ينبنى عليه توجيه هجمة عسكرية مباغته لمكان تواجده، سواء لتحريره، أو حتى لمقتله، مهما كانت النتائج المترتبة على هذه الخطوة، كونها تعفى الكيان الصهيونى من ثمن باهظ وتنازلات مؤلمة، وطى صفحة هذا الملف الضاغط.
-------------------------
تتوافر للمراقب السياسى، إمكانية القول بأن مفاوضات تبادل الأسرى الماراثونية، غير المباشرة، الصعبة والشاقة، بين حركة " حماس "، والكيان الصهيونى ( ممثلا فى، حاغاى هداس، المسئول عن ملف الأسرى )، عبر الوسيط الألمانى، ارنست ارولاو، وبرعاية مصرية، تراوحت بين مد وجزر، وموجات من التفاؤل لجهود الوسيط الألمانى، التي قطعت أشواطاً هامة على صعيد التوصل النهائى لترتيبات الصفقة، وتسارع خطى الصفقة، لكن سرعان ما يبرز التراجع من الطرف الصهيونى، لجملة اعتبارات، وبدعوى أن العرض الذى قدم لحركة " حماس " هو " أفضل عرض ستحصل عليه" !!، ومحاولته رمى الكرة فى ملعب " حماس "، واختبار بدائل أخرى، ومحاولة توظيف عامل الوقت، على أمل الحصول على تنازلات من الحركة، فى اللحظات الأخيرة، تمكنه من التلويح بها على أنها " إنجاز ".والحقيقة أن هذه المعركة التفاوضية، القاسية والعسيرة، ليست بمنأى عن السياق العام، الداخلى، والإقليمى، والدولى، الذى ألقى بظلاله على تفاعلاتها، ومن ثم تداعياتها، الراهنة، والمستقبلية.
وعلى خلفية حقيقة أن مفاوضات تبادل الجندى الإسرائيلى الأسير لدى حركة " حماس "، جلعاد شاليط، الذى يحمل أيضاً الجنسية الفرنسية، والمحتجز فى قطاع غزة منذ 25 يونيو 2006، تعتبر صفقة تاريخية، ذات أبعاد استراتيجية بكل معنى الكلمة، يتوجب تعظيم الاستفادة منها بأقصى ما يتاح، وفرصة استثنائية لكسر إرادة المحتل، وكسر ما حاول تكريسه من مسلمات.
وفى ضوء حقيقة أن أى عملية تفاوضية، بحكم التعريف والهوية، هى صراع ارادات بين طرفى التفاوض، وفقأ لمعايير القوة، وحيث يسعى كلاهما إلى الوصول إلى نقطة فى منتصف الطريق، وبالتالى، صعوبة، إن لم يكن استحالة حصول أى من الطرفين على كل شئ.
أولاً: تفاعلات وتحديات عملية التفاوض
تبرز تفاعلات العملية التفاوضية، فى جولاتها المتعددة، والممتدة منذ تاريخ وقوع شاليط فى أسر المقاومة، حرص وإصرار حركة حماس على الإفراج عن قائمة أسرى، قدمتها للجانب الصهيونى، ثم عبر الوسيط الألمانى، تضم 1000 أسير وأسيرة، وذلك على مرحلتين، الأولى 450 شخصاً، 350 منهم، لدى تسليم شاليط إلى مصر، و100 الباقية لدى تسليمه للكيان الصهيونى، والدفعة الثانية 550 شخصاًً بعد شهرين من إنجاز الصفقة . هذا الإصرار يرتقى إلى مستوى التجذر، على تحرير كافة الأسرى، خاصة القدامى منهم، الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن مدى الحياة، نحو 70 أسماً، أى الأسرى من ذوى المحكوميات العالية الذين لا فرصة لديهم فى الخروج من الأسر – متاحة حالياً – إلا بهذه الصفقة، كذلك الإصرار الراسخ على شمول الصفقة كافة تلاوين الطيف الفلسطينى الفصائلى، والرفض الحازم لاستثناء أية أسماء، ولو كانت خارج الانتماء الحمساوى، حيث القناعة بأن نجاح الصفقة مرتبط باعتمادها كرزمة واحدة، دون انتقاص، وتعمد كسر المعايير الإسرائيلية الحديدية، أى " التابوهات " أو المحرمات، التى حكمت السياسة الإسرائيلية إزاء العلاقة مع قضايا تبادل الأسرى داخل فلسطين، والتى لم تكن تسمح بأى طرح، أو صفقة، يفرج بموجبها عن أسرى قتلوا إسرائيليين – أى الملوثة أياديهم بدماء إسرائيليين، وفق المصطلح الإسرائيلى - بأى حال من الأحوال فى الداخل الفلسطينى السلطوى، الخاضع لهيمنة وإستباحة الاحتلال.
عطفاً على رفض مبدأ إبعاد أى مناضل فلسطينى خارج فلسطين، من الذين يتوقع أن يتم تحريرهم بصفقة التبادل، والحرص على عدم تشريع هذا المنطق، حتى ولو بالتفاوض. فالإبعاد من الزاوية الوطنية والسياسية، وحتى الأيديولوجية، يتعارض مع المبدأ الذى لا يتنازل عنه الشعب الفلسطينى : وهو حق العودة، حيث يدرك الجميع، ولا تريد الحركة تكرار خطأ، إن لم تكن خطيئة، ما ارتكبته السلطة الفلسطينية فى تشريع إبعاد المقاومين فى كنيسة المهد عام 2002، عند الاجتياح الإسرائيلى للضفة الغربية المحتلة، فى سياق عملية " السور الواقى "، لمحاصرة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ولم يسمح لهم الكيان الصهيونى بالعودة مرة أخرى حتى الآن، رغم أن الاتفاق كان على الإبعاد لفترة محدودة، ناهيك عن أن ظروف حياتهم فى المنفى القسرى سيئة، فهم مقيدو الحركة، ويعانون شظف العيش.
ولم يحول التمسك بهذه الثوابت والمرتكزات، أى بشروط الصفقة، وعدم التنازل عما قدمته من أسماء فى القائمة، دون التحلى بالمرونة التكتيكية فى إطار الثبات الاستراتيجى، مما يقتضى البحث عن مخارج تفاوضية للخلاف، وعدم التصعيد الإعلامى، والتعاطى مع الحلول والمقترحات الخلاقة التى تتناول مسائل التوقيت والإبعاد، دون المساس بمبدأ الإفراج، بعيداً عن أى إفراط، أو تفريط، وفى سياق مدى إدراك حركة حماس لمدى خطورة وحساسية الصفقة فى ظل المرحلة المعقدة التى يعيشها الشعب اللفلسطينى، وقضيته الوطنية. بعبارة أخرى، فإنه إذا كان من ضرورة للمناورة، فينبغى أن تكون فى الهوامش، وليس فى الأصول. ومما له صلة، وخلافاً لما تتعمد بعض المصادر، لاسيما من داخل المعسكر المعادى، حول وجود خلافات داخل حركة حماس، بين الداخل والخارج، بشأن مسألة الإبعاد، فإن الحركة موحدة، وهى وحدها صاحبة القرار الفصل فى تقرير أن هذا الأسير، أو ذاك من الأفضل لتأمين حياته أن يكون خارج الوطن. وعملاً بآلية اتخاذ القرار، تعاطت المستويات القيادية فى الحركة مع نصائح أكثر القيادات الفلسطينية من مختلف الفصائل، التى نصحت بخروج بعض المحررين خارج فلسطين، أو إلى قطاع غزة، حتى يكونوا بمنأى عن عمليات الاغتيال الإسرائيلية المتوقعة ضدهم حال خروجهم من الأسر، وبقائهم فى الداخل، خاصة الرموز القيادية الهامة، مثل أحمد سعدات، وقادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكرى للحركة، عطفاً على ترك أمر قبول الإبعاد للأسير نفسه، والتنسيق مع قيادة الحركة فى السجون لإبداء الرأى، بل ومع عائلات وأهل الأسرى، تفادياً لحالة من الإحباط بين أبناء الشعب الفلسطينى. ومما له صلة، ترشحت معلومات عن أن دولة قطر قد أبدت موافقتها على استقبال قرابة 20 مبعداً من هؤلاء الأسرى.
ثانياً: الكيان الصهيونى .. ومأزق الخيارات الصعبة
وفى الجهة المقابلة، يواجه الطرف الإسرائيلى مأزق الخيارات الصعبة، حيث وقعت الحكومة الإسرائيلية تحت وطأة " مطرقة " ضغوطات الرأى العام، و" سندان " الثمن الباهظ الواجب دفعه، خاصة، بعد أن تم بث " شريط شاليت " قبل أشهر، " كخطوة بناء الثقة "، ومبادلة هذا الشريط بإطلاق سراح عشرين من الأسيرات الفلسطينيات، والتأثير النفسى الذى خلفه ذلك، وتركه فى عموم الإسرائيليين، مما هيأ الأجواء فى الكيان الصهيونى لقبول صفقة بثمن باهظ، تشمل إطلاق أسرى من "الوزن الثقيل".
وبالتالى، تبدت طبيعة التباينات والصراع الداخلى، ومدى انعكاسات ذلك على إنجاز صفقة التبادل، ثم التراجع " الحاد " فى مواقف الحكومة الإسرائيلية، بدعوى عدم تقديم تنازلات إضافية، وتمسكها بشرط إبعاد عدد كبير من الأسرى، عبر المماطلة لكسب الوقت، وفى مناورة مكشوفة ومفضوحة لتقليل الثمن الواجب الوفاء به، مثلما حدث فى مفاوضات مماثلة فى عهد رئيس الحكومة السابق، أيهود أولمرت، فى مارس 2009، حيث كانت الصفقة على وشك الإنجاز، لكن فى اللحظات الأخيرة، وضعت الحكومة الإسرائيلية شروطاً وتفاصيل عرقلت، وأوقفت المفاوضات، بل جمدتها، بعدما كانت قد وافقت على كل التفاصيل، ومناقشتها فى اجتماعات المنتدى الوزارى السباعى – وهو المطبخ السياسى - ولم يتبق سوى نشر أسماء الأسرى المشمولين بالصفقة، لفتح باب الاعتراض عليها من قبل الإسرائيليين، عبر التوجه إلى المحكمة العليا، وهى مجرد خطوة إجرائية، إذ طالما امتنعت المحكمة عن التدخل فى مثل هذه القضايا، ومن ثم صدور قرار بالعفو من رئيس " الدولة "، بموجب القانون الإسرائيلى، حيث عارض الكيان الصهيونى، بداية إطلاق صراح أصحاب المحكوميات العالية، الذين تصفهم بأن " أيديهم ملطخة بالدماء "، كما عارض أيضاً مطلب حركة حماس الإفراج عن بعض الرموز الفلسطينية، التى يتهمها بالتورط فى هجمات، أودت بحياة إسرائيليين، خاصة القيادى فى حركة " فتح "، مروان البرغوثى، أمين سر الحركة فى الضفة الغربية، والذى انتخب مؤخرًا، للمرة الأولى، عضو فى اللجنة المركزية لحركة فتح، ورمز إنتفاضة الأقصى، والذى اعتقله جيش العدو فى عام 2002، وصدرت بحقه، فى يونيو 2004، خمسة أحكام بالسجن المؤبد، بعد إدانته بالتورط المباشر فى أربع هجمات ضد الإسرائيليين، أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص خلال فعاليات الانتفاضة الثانية.
وكذلك الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المناضل أحمد سعدات (بعدما كانت قد تسربت معلومات عن موافقتها على أن يعود إلى منزله فى مدينة رام الله، بعدما كانت تصر على إبعاده إلى خارج الأراضى الفلسطينية)، وبعض من قادة حماس الخمسة من الضفة الغربية (عبد الله البرغوثى، المعتقل منذ عام 2003، والذى أصدرت الدولة العبرية بحقه 67 حكماً بالسجن المؤبد، بعدما أدانته بالمسئولية عن العديد من التفجيرات، التى نفذتها حركة حماس فى مناطق مختلفة فى إسرائيل، وأسفرت عن مقتل عشرات الإسرائيليين، وجمال أبو الهيجاء، وحسن سلامة، وحسن يوسف، وإبراهيم حامد، والذى تعتبره الدولة العبرية من أخطر المعتقلين لديها، وتتهمه بالمسئولية عن قتل عشرات الإسرائيليين، والذى كان حتى لحظة اعتقاله عام 2006، قائد كتائب القسام فى الضفة الغربية، ولاحقه جيش الاحتلال خمس سنوات، تمكن خلالها من الفرار أكثر من مرة، ونجح مراراً فى التخفى)، كذلك رفض مطلب الحركة إطلاق سراح آمنة عبد الجواد منى، من القدس،التى مازالت سلطات الاحتلال ترفض إدراجها ضمن قائمة التبادل، متهمة إياها بقتل الجندى الإسرائيلى، عوفر راحوم، عام 2001، وأحلام التميمى، من قرية البنى صالح، قرب رام الله، والتى تعد الذراع اليمنى للقيادى عبد الله البرغوثى، وهى التى أقلت بسيارتها الإستشهادى، عز الدين المصرى، إلى القدس، حيث نفذ عملية فى مطعم سقارة الإيطالى، فى شارع يافا فى القدس الغربية، وقاهرة السعدى من جنين، كل ذلك بدعوى عدم ظهور حكومة نتنياهو، اليمينية المتطرفة، أمام قوى اليمين المتطرف، بمظهر الرضوخ لمطالب حركة حماس، بالرغم من إبلاغ الطرف الصهيونى للوسيط الألمانى الموافقة المبدئية على إطلاق سراح القائمة الكاملة، المقدمة من حماس، بما فيها الأسماء المذكورة. وتتخوف الدولة العبرية من استفادة حركة حماس من خبرة صفقة تبادل الأسرى مع "حزب الله " اللبنانى، عندما رفضت فى الصفقة الأولى مطلب الحزب فى الإفراج عن الأسير سمير القنطار، بيد أنها اضطرت للاستجابة كارهة فى الصفقة الثانية.
وبرز الإنقسام فى المعسكر الصهيونى بجلاء، حيث انحاز إلى جانب قبول الصفقة المعروضة، ومن منطلق أن قضية شاليط ،غدت قضية رأى عام، غالبية الإسرائيليين، وأهمية عودة الجندى إلى بيته سالماً، وهو ما أدركه رئيس الوزراء نتانياهو، الذى عليه اتخاذ أكثر القرارات " دراماتيكية فى حياته، وربما فى التاريخ القصير للدولة العبرية، وحسم المسألة " المبدأئية " : متى تخنع الدولة " للإرهاب "، وترك انطباع فى الساحة الدولية بأن حركة حماس " المتطرفة نجحت فى تركيع إسرائيل، ورسالة إلى كل " إرهابى " : يمكنك قتل يهودى، إذ فى النهاية سيتم إطلاق سراحك. يأتى هذا الإدراك فى الاتجاه المعاكس لسيرة نتانياهو، التى تحفل بأقوال قاطعة الوضوح، وخلافاً لما روج له، على مدى سنوات كثيرة، ووضع مؤلفات باسمه، ضد صفقات من هذا النوع، يجد نفسه يتخذ قراراً عارض مثله طيلة حياته.
وفى سياق متصل،عرف نتانياهو أنه لا مفر أمامه من الموافقة على الصفقة، لأن الجمهور الإسرائيلى يريد رؤية شاليط عائداً إلى بيته، ويؤيد الصفقة بأثمانها الباهظة، على الرغم من انعكاساتها السلبية، وخشيته من تراجع شعبيته، بدعوى العقاب المناسب لدولة قصرت فى مهمتها، خاصة إزاء عدم استيعاب الجمهور لكيفية عدم نجاح جهاز الاستخبارات الخارجية ( موساد )، الذى يعرف كيفية الوصول إلى كل نقطة فى الشرق الأوسط، فى رصد مكان الجندى البعيد مسافة كيلومترات معدودة، وبعد إخفاق " دولته " فى تحريره فى عملية عسكرية، فى إشارة لعملية " الرصاص المسبوك "، أو حتى وإن كانت النهاية مأساوية، كما حدث فى الماضى، مع الجندى، نحشون فاكسمان، والذى قتل أثناء محاولة الجيش الإسرائيلى تحريره من الأسر، لأنه عندها لن يدعى أحد أن الحكومة تخلت عن جندى، أو أنها تصرفت وكأن لا قيمة لحياة أسير. وفى داخل المنتدى الوزارى السباعى، توافرت أنباء عن أن ثلاثة وزراء يؤيدون إبرام الصفقة : وزير الدفاع، أيهود باراك، وإيلى بيشاى، ودان مريدور. ومن داخل المؤسسة الأمنية، التى تحظى بثقة الإسرائيليين على مختلف انتماءاتهم، يبرز موقف رئيس هيئة أركان الجيش، الجنرال، غابى أشكنازى، الذى يؤيد الصفقة، مع أهمية تدارس قضايا أخرى مترتبة عليها، خاصة محاولة التوصل إلى " ترتيب استراتيجى " على الحدود مع قطاع غزة، تتزايد أهمية ذلك مع توقعات بتنامى الضغط الدولى على الدولة العبرية لفك حصارها عن قطاع غزة، بداع أن الجندى الذى تذرعت بوجوده فى القطاع لتبرير حصارها، " قد عاد إلى بيته ".
يأتى هذا التصور، على النقيض مما كشفت عنه صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية، من أن " المستوى السياسى والأمنى قرر أن صفقة شاليط لن تغير سياسة إسرائيل إزاء الطوق ( الحصار) على قطاع غزة، ومنع تنقل الأشخاص والبضائع بين القطاع والضفة الغربية، باستثناء الحالات الإنسانية والمنتجات الحيوية. وجاء رد فعل حركة حماس على ذلك بتأكيد أن الحصار المحكم الذى فرضته الدولة العبرية على القطاع، عقب فوز الحركة فى الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وشددته فى أعقاب أسر شاليط، ثم فى أعقاب سيطرة حماس على القطاع فى 14 يونيو 2007، والذى حرم سكان القطاع البالغ تعدادهم مليون ونصف نسمة، من استيراد نحو أربعة آلاف صنف من السلع والمواد الخام، وتحويل القطاع إلى سجن كبير، يؤكد أن هذا الحصار لم يكن مرتبطاً بقضية أسر شاليط، وإنما كانت خلفياته سياسية، تصب فى مجرى وأد تجربة حماس فى الحكم عقب فوزها الكاسح عام 2006، أى قبل أسر شاليط بستة أشهر.
ومما له صلة، أشار استطلاع إسرائيلى للرأى، واكب تفاعلات المفاوضات، إلى أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون صفقة التبادل مع حماس. وفى هذا السياق، جاء فى نتائج الاستطلاع الذى نشرته صحيفة " يديعوت أحرونوت " الإسرائيلية، يوم 24 ديسمبر 2009، أن 76 % من المشاركين أعربوا عن تأييدهم لإبرام الصفقة، فى حين أعرب 14 % عن معارضتها، ورفض 10 % التعليق. كما أشارت نتائج الاستطلاع إلى أن 65 % من الجمهور الإسرائيلى يرون أن أداء رئيس الوزراء، نتانياهو، فى مفاوضات صفقة التبادل جيد، بينما اعتبر 25 % أنه غير جيد. وقد بعثت عائلات ثكلى برسالة لرئيس الحكومة الإسرائيلية تحضه على إنجاز الصفقة. فى حين يرى رئيس جهاز الأمن العام ( الشاباك )، يوفال ديسكين، والذى كان من أبرز المعارضين، ثم ‘عدل من موقفه، إشتراط عدم الإفراج عن الأسرى " الرموز "، أمثال مروان البرغوثى، خشية أن يؤدى الإفراج عنهم، ومع غياب تحرك سياسى، إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، وأهمية ترحيل عدد كبير من الأسرى المفرج عنهم، من منازلهم فى الضفة الغربية إلى غزة، أو إلى دولة أجنبية.
وفى الجهة المعارضة، رفض وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، بشدة أن يكون القيادى، مروان البرغوثى، جزءاً من الصفقة، بدعوى أنه " ليس قاتلا وحسب...، وإنما هو زعيم عصابة من القتلة " !!. كما عارض الصفقة الوزيران : بوغى يعالون، وبينى بيغين. ومن داخل المؤسسة الأمنية، رئيس جهاز الموساد، مئير داغان. وتجدر الإشارة إلى أن منظمة " الماغور – متضررى الإرهاب الفلسطينى " قد بعثت برسالة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية، أعلنت فيها معارضتها للصفقة، محذرة من الإفراج " عن مخربين تلطخت أياديهم بدماء إسرائيليين، حيث من شأن ذلك أن يؤدى إلى مزيد من سفك الدماء ". كما أن تواجدهم فى أماكن فى فلسطين المحتلة من شأنه أن يعرض حياة إسرائيليين إلى الخطر.
وعبر مسيرة التفاوض، فرضت الرقابة العسكرية فى الكيان الصهيونى قيوداً صارمة، غير مسبوقة،على وسائل الإعلام العبرى، وتعتيماً فى كل ما يتعلق بالنشر عن المفاوضات السرية غير المباشرة، ربما تماثلت مع تلك المفروضة على النشر فى ما يتعلق بقدرات إسرائيل النووية.
ومما لاشك فيه، أن موجات المد والجزر، ثم حالة " الجمود " الراهنة، لا يعنى، على الأقل من الناحية النظرية، فشل الصفقة، من منطلق أن الوسيط الألمانى، منذ بداية عمله قبل أربعة أشهر، حقق اختراقاً، وتقدماً غير مسبوق،عن ذى قبل، وقطع شوطاً بعيداً، على طريق إنجازها،وبالتالى، لم يستنفد دوره بعد، ومازالت حقيقة أن الجندى الأسير قابعاً فى مخبئه بقطاع غزة، ولم يتخذ الوسيط الألمانى قراره بإنهاء وساطته.
وفى المحصلة، صادفت المفاوضات ثلاث عقبات صعبة، تتمثل فى كيفية التوصل إلى صيغة توافقية تتعلق باعتراض الدولة العبرية على أسماء 50 أسيرا من قائمة ال450 التى قدمتها حركة حماس، وإصرارها على ألا تشمل الصفقة أيا من أسرى الداخل، حيث تطالب حماس بالإفراج عن 22 أسيراً معتقلين منذ ما قبل اتفاق أوسلو( فلسطينيو 48 )، وأسير واحد من هضبة الجولان، 44 أسير من القدس المحتلة، وحملة الجنسية الإسرائيلية، من منظور أن الصفقة المرتقبة هى الفرصة الوحيدة المتاحة لتحريرهم، نتيجة أن الحكومات الصهيونية المتعاقبة عمدت إلى استثنائهم من كل المبادرات، والاتفاقات التى تجرى مع السلطة فى شأن إطلاق أسرى، كذلك الإصرار على إبعاد 130 أسيراً من ال 400 الذين وافقت على إطلاقهم. وبالتداعى المنطقى، حمل الوسيط الألمانى الكيان الصهيونى، وهدد بوقف وساطته بسبب التعنت الإسرائيلى، وعدم تقديم تنازلات من شأنها إتاحة المجال لتوقيع الصفقة، خاصة بعد إعلان حركة حماس عن عدم رضاها بأى تفاوض جديد، يتضمن مقترحات إسرائيلية، تختلف عن مطالب الحركة.
ثالثاً: طبيعة التدخلات وانعكاساتها
من زاوية أخرى، لا يمكن غض الطرف عن توجهات قوى محلية، وإقليمية، ودولية، كان لها، بدرجة، أو بأخرى، التأثير على حالة الجمود التى أصابت المفاوضات. فمن ناحية السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير، ورغم الترحيب بالصفقة، وتحرير عدد مهم من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية، من اجمالى 11 ألف، بمعطيات مغايرة، فإن الدولة العبرية لم تستعجل المصادقة على الصفقة قبل دراسة معمقة لإسقاطاتها على أكثر من صعيد، خاصة على مستقبل السلطة الفلسطينية، ورئيسها، محمود عباس، إزاء توجهات من الإدارة الأمريكية، ومن مصر والأردن، بأهمية تقديم الحكومة الإسرائيلية لما يسمى " لفتات طيبة " تفيد عباس، وفريقه فى رام الله، من عينة الإفراج عن مئات الأسرى المحسوبين على حركة فتح، ربما تحدث تعادلاً موضوعياً، أو توسيع مناطق السلطة فى الضفة الغربية، أو صيغة ملتبسة تتعلق " بوقف " الاستيطان، وإزالة حواجز عسكرية فى أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، ولفتات طيبة اقتصادية للفلسطينيين، لاسيما أن المصادقة ستعمل على استعادة حركة حماس لعافيتها بفل الحصار المحكم، وستزيد من قوة وشعبيتها، وتمنحها قوة هائلة فى الشارع الفلسطينى، وفى العالم العربى عموماً، خصماً مما تبقى من رصيد السلطة، وحركة فتح، وربما تصبح هذه القوة تهديدًا وجودياً على السلطة الفلسطينية، وتفاقم شعور عباس بالفشل السياسى، والمهانة الشخصية، وتزايد احتمالات تواريه عن المشهد السياسى، بالنظر إلى مأزق الخيارات الصعبة، وانعكاسات الصفقة على حجم التأييد الجماهيرى لحماس فى الانتخابات الرئاسية والتشريعية، واحتمالات سيطرتها على الضفة الغربية، ومن ثم تتخبط المؤسسة الأمنية الإسرائيلية فى كيفية إنقاذ محمود عباس. ومما له صلة، ترشحت أنباء عن مبرر عدم تضمين اسم مروان البرغوثى فى إطار الصفقة، وتأجيل إطلاق سراحه لعدة شهور تالية، وإمكانية أبعاده إلى الخارج، كى لا تستفيد حماس من ذلك , من زاوية تزايد الشعبية.
وربما يعامل أحمد سعدات بذات الاحتمالية. وفى السياق نفسه، ثمة قناعة بين مصر، والأردن، والكيان الصهيونى، وسلطة رام الله، والولايات المتحدة، بأن إطلاق مروان البرغوثى سوف يترتب عليه القضاء على نفوذ محمود عباس على حركة فتح والسلطة الفلسطينية، إضافة إلى أن صعوده إلى زعامة حركة فتح، سيترتب عليه تحول – بصرف النظر فى مدى درجته – حركة فتح إلى تعزيز روابطها مع كل من سوريا وحركة حماس وحزب الله اللبنانى. و تبدى مصر والولايات المتحدة – إضافة لما ترفضه الأخيرة إجراء مفاوضات مع ما تصنفه منظمات إرهابية - ذات التخوفات من أن إبرام صفقة التبادل ستنعكس إيجاباً على تزايد شعبية حماس، وتعزيز موقعها فى صلب الوضع الفلسطينى الداخلى، وموازين القوى الداخلية، وسلباً على السلطة الفلسطينية – التى تجد صعوبة جمة فى أن تتبين الخيط الأبيض من الأسود، من وضعها السياسى، وتترنح، ويتهددها التيه والضياع، تحت وطأة إخفاق مشروعها السياسى التفاوضى، وانسداد الأفق السياسى، وافتضاح أمر ارتباطها المصيرى، وعلاقتها العضوية بواقع واستمرار الاحتلال، عطفاً عن ترهل وتكلس حركة فتح، حزب السلطة، المتبنية لهذا المشروع السياسى. وبطبيعة الحال، يمكن رصد التوافق على وجوب قطع كل شرايين الحياة عن حركة حماس، بالمشاركة فى الحصار الثلاثى الأبعاد : صهيونى، ودولى، وحصار من أطراف عربية، أخرها جدار مصر الفولاذى، المثير للجدل، بيد أن إكمال بناء هذا الجدار سوف يتيح لمصر، والكيان الصهيونى، التعاون فى عملية " ترويض " حركة حماس، وإجبارها عن طريق الضغط، والحصار، إلى القبول والإذعان، كما يتصورون.
رابعاً: رؤية ختامية
وفى التحليل الأخير، تتوافر لدينا إمكانية القول بأن حركة حماس قد أدارت معركة عض الأصابع فى المفاوضات بكفاءة ملحوظة، وتوازن دقيق بين ما هو استراتيجى، وما هو تكتيكى، ولم تذعن لضغوط اللحظات الأخيرة، فى حدود ما يتاح لها من هامش المناورة.
على الضفة المقابلة، تتزايد لدى الكيان الصهيونى المحاولات المحمومة والمساعى المسعورة فى سبيل التقاط أية معلومة أو خيط أيا كان يمكن أن يقود باتجاه معرفة مكان اختفاء شاليط، وهو ما ينبنى عليه توجيه هجمة عسكرية مباغته لمكان تواجده، سواء لتحريره، أو حتى لمقتله، مهما كانت النتائج المترتبة على هذه الخطوة، وحجم ما تخلفه من خسائر مدنية فلسطينية، كونها تعفى الكيان الصهيونى من ثمن باهظ وتنازلات مؤلمة، وطى صفحة هذا الملف الضاغط.
وهنا تتبدى دلالة ما كشفت عنه الحركة عن أن إسرائيل جندت مجموعة من منتسبى الأجهزة الأمنية الفلسطينية السابقة، ومن الذين ينتمون إلى حركة فتح من أجل جمع معلومات عن قيادى فى كتائب عز الدين القسام بغرض خطفه من أجل الاستدلال على مكان إخفاء شاليط، واعتقال الحركة لهذه المجموعة. وضمن هذه الضربة العسكرية السريعة، البالغة الشدة والقسوة، إلى حركة حماس فى غزة، يتم فى دائرة الاستهداف المباشر لمئات الأهداف والمواقع الخاصة بالحركة، خاصة العسكرية والاستراتيجية، بغية تفريغ النصر الذى ستزهو به من أية قيمة فعلية، وفق المفهوم الإسرائيلى، وتركها تلق وتلملم جراحاتها، وتنشغل بإعادة بناء ذاتها، وبنيتها العسكرية، شهوراً طويلة أخرى، بعد تشديد الحصار البحرى، وإتمام الجدار الفولاذى. فهل تأتى الرياح بما لا تشتهى سفن القوى الضامرة لكل الحقد والمرارة من الحركة ؟!. إجابة ذلك ستتولد من رحم التطورات المستقبلية !!.
* خبير في الشؤون العربية.
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
|
||||||||
| < السابق | التالى > |
|---|
| من نحن |
| الإصدارات |
| الموقع الدائم لمؤتمر نصرة الشعب العراقي |
| طلب عضوية |
| اجتماع الجمعية العمومية |
| الملف الشهري |
| أتساءل هل الشباب هم من هاجم أوغندا أولا أم أنها هي التي أرسلت جنودها لقتل المدانيين؟ |
| المزيد ... |
| لتعرف سبب استهداف المقاهي انظر لمن تستهدفه القوات الاوغنديه في الصومال فهي تستهدف الابرياء والجزاء م... |
| المزيد ... |