|
|
|
| واشنطن وادعاءات العدالة الزائفة في قضية البشير |
| كتب أ. مصطفى شفيق علام* | ||||||||
| 06/02/2010 | ||||||||
![]() كما أنه من الواضح تمامًا أن هذا التصعيد المفتعل إزاء أزمات السودان قد أدى إلى تعقيدها واستعصائها علي الحل وتحويلها إلى بؤرة توتر ملتهبة، فمثل هذه الأزمات لا يمكن حلها عسكريًا وذلك باعتراف أطرافها ومن ثم فإن الحل السياسي التوافقي الداخلي وحده هو الكفيل بنزع فتيل الانفجار وعودة الأوضاع إلى الهدوء بما في ذلك الإغاثة وإعادة التوطين والبدء في تدشين مخططات ومشاريع تنموية ونهضوية فاعلة.
-------------------------
بعد وقت قصير من موافقة قضاة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي على دراسة توجيه تهمة جديدة إلى الرئيس السوداني عمر البشير تتعلق بالإبادة الجماعية "المزعومة" في دارفور، بعدما كانوا قد رفضوا طلب الإدعاء في مارس الماضي إضافة هذه التهمة إلى تهم أخرى تتعلق بادعاءات حول ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، طالبت الإدارة الأمريكية يوم 4 فبراير الجاري الرئيس البشير بتسليم نفسه للمحاكمة أمام العدالة الدولية.ولعل القراءة الواعية لهذه المسارعة الأمريكية المتلبسة بالمسوح "الإنساني" الزائف تخرج الحدث عن أبعاده القانونية المزعومة لتضعه في سياق الأجندة الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى إعادة تشكيل السودان وجواره الجغرافي فكًا وتركيبًا بما يخدم مصالحها وتوجهاتها في منطقتي الشرق الأوسط والقرن الأفريقي (1).
إذن فالأمر يتجاوز شخص الرئيس البشير إلى بعد أعمق معنىً وأبعد دلالةً بما يطرح رؤية واشنطن لقضية مستقبل الوطن السوداني الجامع ككل.
ومن المعلوم أن المحكمة الجنائية الدولية تعد جزءًا من آليات ما يسمى بالنظام العالمي الجديد لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والذي يفرض رؤيته الأمريكية بالأساس على مجمل قضايا السلم والأمن الدوليين. وكثيرًا ما تسعى القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية إلى إضفاء البعد الإنساني، الذي يحمل بريقًا خادعًا من الزيف، لسلوكها الدولي ذي النزعة الإمبريالية بهدف تغليف مصالحها الإستراتيجية بصبغة مقبولة عبر استخدام أجهزة وأدوات النظام الدولي مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها لتحقيق تلك المصالح الإستراتيجية.
ومما يبرهن على ذلك الأمر أن السودان نفسه قد عانى على مدار عقود طويلة مضت من حرب أهلية ممتدة في الجنوب بدأت مرحلتها الأولى قبل الإعلان عن استقلاله عام 1956 ووضعت أوزارها من خلال عملية تفاوضية شاملة انتهت باتفاق نيفاشا الشهير عام 2005. وعلى الرغم من أن ضحايا الحرب في الجنوب يتجاوز بكثير حالة دارفور – محل الاتهامات - فإن أحدًا لم يحرك ساكنًا ولم تتحدث آليات النظام العالمي "الإنسانية" عن إبادة جماعية أو جرائم حرب!!.
والأمثلة على حقيقة التوظيف السياسي لقضايا السلم والأمن في العالم أكثر من أن تحصى، ففي الصومال مثلاً نجد غياب الدولة منذ عام 1991 ودخول المجتمع الصومالي في حالة من الفوضى الشاملة التي تتكرر فصولها دونما إرادة حقيقية من آليات المجتمع الدولي التي تنشد "العدالة" الإنسانية للتحرك أو وضع حد لتلك المأساة الإنسانية.
كما إن المجازر الصهيونية التي لا تنتهي بحق الشعب الفلسطيني مثال بارز على ذلك الأمر وما حرب غزة الأخيرة منا ببعيد، ولا يفوتنا الإشارة إلى تورط واشنطن ذاتها في العراق وأفغانستان وما أدى إليه من جرائم لا تخفى بحق الإنسانية ولكن آليات واشنطن الدولية "الرحيمة" باتت لا تبصر إلا ما يبصره السيد القابع في البيت الأبيض الأمريكي وملحقاته حول العالم.
يرى كثير من المحللين أن توجه واشنطن بإعادة إبراز قضية ملاحقة البشير دولياً إلى الواجهة عبر قرارات المحكمة الدولية إنما يهدف بالأساس إلى زيادة الضغوط النفسية والإعلامية عليه، بما يضاعف من الضغوط الدولية على نظام حكمه لصالح معارضيه الذين باتوا يمتلكون ذخيرة جديدة لاستخدامها في حملة الانتخابات الرئاسية في السودان والتي ستبدأ خلال الأيام القليلة القادمة من فبراير الجاري.
لذلك فسرعان ما عقد ستة مرشحين منافسين للبشير مؤتمراً صحفياً في الخرطوم بادر خلاله زعيم حزب الأمة الصادق المهدي إلى دعوة الرئيس السوداني وحزبه المؤتمر الوطني الحاكم إلى سحبه من المنافسة على منصب الرئيس والاتفاق على مرشح "وفاقي" يتولى رئاسة البلاد في المرحلة المقبلة (2).
وفي الوقت الذي تتقاطع فيه المساعي السودانية والعربية نحو إقناع الجنوبيين بخيار الوحدة استعدادًا لاستفتاء حق تقرير المصير المزمع عقده العام القادم يأتي الموقف الأمريكي التصعيدي الجديد بحق الرئيس البشير ليضع العراقيل أمام تلك المساعي، وذلك في إطار سعي واشنطن لإجهاض الترتيبات المفترضة لإجراء الانتخابات الرئاسية في السودان ومآلاتها بطريقة تخدم مصلحة السودان والسودانيين.
ولعل انشغال الحكومة السودانية بإدارة أزمة قرار توقيف البشير وتداعياتها يجعل غيرها من الملفات الأخرى على حساسيتها البالغة في درجة تالية من الأهمية وهو ما يؤثر سلبًا على جهود الحفاظ على وحدة السودان بل ويعمق من هوة الأزمة في دارفور باستقواء الفصائل المتمردة التي سارعت بتأييد الخطوة الأمريكية الجديدة لابتزاز حكومة السودان واستدراجها نحو مزيد من التنازلات تحقيقًا لأجندات الجهات الداعمة لهم إقليميًا ودوليًا (3).
وإذا كان المشروع الحضاري السوداني الذي يرتكز على كون السودان نقطة التقاء عوالم ثلاثة هي العروبة والأفريقية والإسلام يمثل في رأي كثير من المحللين عقبة أساسية أمام مشاريع الفك والتركيب الجيواستراتيجي التي تتبعها واشنطن وحلفاؤها الغربيون والتي تستهدف في مجملها المنطقة ككل مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير ومشروع القرن الأفريقي الموسع وغيرهما (4).
لذلك فليس من المستغرب أن تنطلق دعوات عدة تنصح واشنطن بقيادة تدخل عسكري دولي لإنقاذ دارفور بدعوى مسؤولية الحماية Responsibility to protect بزعم أن استخدام القوة المسلحة في المواقف الصراعية التي يترتب عليها جرائم خطيرة ضد الإنسانية يعد أمرًا مبررًا. وذلك على غرار ما قام به حلف الناتو في كوسوفو نهاية القرن الفائت، الأمر الذي قد يتجاوز حدود أزمة دارفور ويؤدي إلى السعي باتجاه تغيير النظام الحاكم في الخرطوم (5).
لقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تمنح لنفسها حق التدخل وإصدار الإدانات في صراعات ومشكلات داخل حدود دول أخرى ليست واشنطن طرفًا فيها من قريب أو بعيد، وكأنها أصبحت مخولة بإدارة العالم، وأصبحت تخص السودان بالذات باهتمامها وقراراتها وسياساتها المجحفة لاعتبارات استراتيجية مصلحية بحتة تحرص على صبغها بأداة الشرعية الدولية والاعتبارات الإنسانية. ولعل خبرة إصدار الكونجرس الأمريكي قانون سلام السودان الذي كان سيفًا مصلتًا على رقبة الحكومة السودانية أثناء مفاوضات أزمة الجنوب خير شاهد على ذلك، حيث كان ذلك القانون من بين العوامل التي أدت إلى الوصول إلى اتفاق مليء بالثغرات والعيوب لصالح الحركة الشعبية، والآن يجري تكرار الآلية نفسها في قضية دارفور (6).
إن اعتقاد بعض الناس بأن التحرك الأمريكي لتفعيل قرار توقيف ومحاكمة البشير هو لأسباب قانونية وإنسانية من أجل حل أزمة دارفور يدخل في باب السذاجة السياسية التي لا يمكن قبولها في ظل سوابق الولايات المتحدة التي لا تأبه إلا بمصالحها ومصالح إسرائيل ولا يتسع السياق هنا لضرب الأمثلة وتعداد المقارنات التي أصبحت معروفة للجميع.
كما أنه من الواضح تمامًا أن هذا التصعيد المفتعل إزاء أزمات السودان قد أدى إلى تعقيدها واستعصائها علي الحل وتحويلها إلى بؤرة توتر ملتهبة، فمثل هذه الأزمات لا يمكن حلها عسكريًا وذلك باعتراف أطرافها ومن ثم فإن الحل السياسي التوافقي الداخلي وحده هو الكفيل بنزع فتيل الانفجار وعودة الأوضاع إلى الهدوء بما في ذلك الإغاثة وإعادة التوطين والبدء في تدشين مخططات ومشاريع تنموية ونهضوية فاعلة. بيد أن الضغوط الدولية والأمريكية بالذات هي أبرز معوقات حل تلك الأزمات لاسيما أزمة دارفور، حيث أدت إلى تشجيع مسلحي دارفور علي التعنت ورفع سقف مطالبهم إلى مستوى لا يمكن لأي دولة في العالم أن تقبله.
* كاتب وباحث سياسي مصري.
1- حمدي عبد الرحمن، "التدخل الدولي في السودان وأثره عربيا وأفريقيا"، العالم الإسلامي :عوامل النهضة وآفاق البناء، تقرير البيان الاستراتيجي، العدد الرابع، 2007، ص ص 251-274.
2- صحيفة الحياة اللندنية، 4/2/2010.
3- محمد عاشور مهدي، " تحولات مواقف الأطراف الدولية والإقليمية بعد قرار المحكمة الجنائية بتوقيف الرئيس البشير"، الأمة في مواجهة مشاريع التفتيت، تقرير البيان الاستراتيجي، العدد السابع، 2010، ص ص 139- 156.
4- لمزيد من التفصيل حول أهمية السودان في الاستراتيجية الأمريكية، انظر:
John Love, Daniel Werbel-Sanborn, Lance Lesher, To Guarantee The Peace: An Action Strategy For A post-conflict Sudan, Center For Strategic & International Studies, January 1, 2004
5- Eric Revees, Regime change in Sudan, the Washington post, 23/8/2004.
6- هانئ رسلان، "الموقف الأمريكي من أزمة دارفور"، الأهرام، 3/8/2004.
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
|
||||||||
| < السابق | التالى > |
|---|
| من نحن |
| الإصدارات |
| الموقع الدائم لمؤتمر نصرة الشعب العراقي |
| طلب عضوية |
| اجتماع الجمعية العمومية |
| الملف الشهري |
| الحمد لله الذي نصر عبده قطز و نصر به الاسلام، الحمد لله الذي اعز الاسلام و المسلمين بهذا النصر العظي... |
| المزيد ... |
| طيب الله هذه الانفاس |
| المزيد ... |